آدم عليه السلام — أبو البشر
ذكر الكتاب أنه دُفن في الجبل الذي أُهبط فيه في الهند، وقيل في جبل أبي قبيس بمكة.
ذكر الكتاب أنه دُفن في الجبل الذي أُهبط فيه في الهند، وقيل في جبل أبي قبيس بمكة.
وُلد في بابل ثم انتقل إلى مصر.
يضع الكتاب اختراع الكتابة عام 4000 ق.م حدًّا فاصلًا بين عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية.
أُرسل نوح عليه السلام إلى قومه فلبث فيهم يدعوهم إلى الله، وكانت الطوفان نهاية المكذبين.
أولى هجرات العرب القديمة من الجزيرة العربية: الأكاديون ثم الآشوريون نحو بلاد الرافدين.
الهجرة الثانية من الجزيرة العربية، ومنها العموريون والبابليون والكنعانيون نحو الشام والرافدين.
أُرسل هود عليه السلام إلى قوم عاد في الأحقاف بجنوب الجزيرة العربية.
أُرسل صالح عليه السلام إلى ثمود في الحِجر (مدائن صالح) شمال الجزيرة العربية.
إبراهيم الخليل عليه السلام أبو الأنبياء، وابن أخيه لوط عليه السلام الذي أُرسل إلى أهل سدوم.
نشأ مع أبيه إبراهيم عليهما السلام في مكة، ومنه تحدّرت العرب المستعربة العدنانية.
ابن إبراهيم عليهما السلام، وُلد في فلسطين.
قيام الدولة البابلية الأولى في بلاد الرافدين.
ابن إسحاق عليهما السلام، أبو الأسباط.
الهيكسوس بدوٌ عرب من سوريا وفلسطين هاجروا نحو مصر وحكموها.
ابن يعقوب عليهما السلام، تولى خزائن مصر ونزل بنو إسرائيل مصر في عهده.
أخو موسى عليهما السلام ووزيره في دعوة بني إسرائيل.
أُرسل موسى عليه السلام إلى فرعون مصر وقاد بني إسرائيل في الخروج.
الهجرة الرابعة من الجزيرة العربية: الآراميون والكلدانيون نحو الشام والرافدين.
أقدم الساعات المائية وأبسطها كانت طاسة أسطوانية مدرجة بأقسام تقيس كمية الماء النازلة من ميزاب صغير في أسفلها، استخدمت في مصر قبل عام 1500 ق.م، وعرفت الهند جهاز توقيت مائياً مشابهاً يسمى غاتي-يانترا.
قيام الدولة الآشورية في شمال بلاد الرافدين.
قيام مملكة معين في جنوب الجزيرة العربية (اليمن).
نبيٌّ ملك، دُفن في بيت لحم بفلسطين.
ابن داود عليهما السلام، النبي الملك الذي سُخّرت له الريح والجن.
قيام مملكة سبأ في اليمن، صاحبة السدّ والعمران المذكورة في القرآن.
بُعثا في بلاد الشام في القرن التاسع قبل الميلاد.
بُعث يونس عليه السلام في القرن الثامن قبل الميلاد إلى أهل نينوى.
قيام الدولة الكلدانية في بابل.
قيام مملكة حمير في اليمن وحكم التبابعة.
الهجرة الخامسة من الجزيرة العربية: الأنباط إلى البتراء والتدمريون إلى تدمر.
كفل مريم عليها السلام ودعا ربه فوُهب له يحيى.
يذكر الكتاب موضعهما في دمشق ببلاد الشام.
أُرسل شعيب عليه السلام إلى أهل مدين.
بداية التقويم الميلادي.
يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم عليهما السلام، بُعثا في فلسطين وبلاد الشام.
الهجرة السادسة من الجزيرة العربية: المناذرة إلى الحيرة والغساسنة إلى الشام.
تأسست القسطنطينية عام 330م على يد الإمبراطور قسطنطين الأول واتخذها البيزنطيون عاصمة لهم، وكان لهذه المدينة مكانة خاصة لدى المسلمين إذ بشّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتحها بقوله: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش، وهذا ما دفع خلفاء المسلمين وقادتهم لمحاولة فتحها عبر العصور.
سقوط روما بيد الجرمان، نهاية العصور القديمة وبداية العصور الوسيطة.
وُلد سيدنا محمد ﷺ عام الفيل، فاكتملت به سلسلة النبوة الممتدة من آدم عليه السلام — لا انفصال بين رسول الله ﷺ وإخوانه الأنبياء.
☘ مولد خاتم الأنبياء والمرسلين
«رأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام»
سمّى القرآن الكريم خمسة من الرسل بـ«أولي العزم»: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لقوة عزائمهم وشدة ابتلائهم وجهادهم. فنوح عليه السلام لبث في قومه قريباً من ألف عام إلا قليلاً ولم يؤمن معه إلا قليل، وإبراهيم عليه السلام حكم قومه عليه بالتحريق بالنار، وكلّهم أوذوا واضطهدوا وشُرّدوا فتحملوا الأذى والعذاب وصبروا على البلاء، فاستحقوا أن يكونوا قادة الأنبياء وسادة الرسل.
«فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (الأحقاف: 35)»
من أعظم الشواهد على أن محمداً ﷺ سيد الرسل وأفضل الأنبياء والمرسلين، أنه لم يُبعث نبيّ قط إلا أخذ الله تعالى عليه العهد والميثاق أنه إن أدرك محمداً ﷺ في حياته آمن به ونصره واتّبعه، دلّت على ذلك آية الميثاق في سورة آل عمران.
«لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ (آل عمران: 81)»
بيّن النبي ﷺ علوّ المنزلة التي أعطاه الله إياها بالسيادة في الدنيا والآخرة، فقال: «أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر»، وقال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ولا فخر»، وأخبر أن موسى عليه السلام لو كان حياً بين ظهرانَي أمته ما وسعه إلا اتباعه. ومع ذلك نهى ﷺ عن تفضيله على موسى عليه السلام دفعاً للغلوّ في تعظيمه وكفّاً للمسلمين عن تنقيص أحد من إخوانه الأنبياء.
«أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر»
بقي نوح عليه السلام يدعو قومه إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاماً دون تقصير ولا ملل، ولم يخف من معارضة قومه له، فكان بذلك مثالاً في الإخلاص والتجرد عن الأغراض الشخصية والصبر على تبليغ الرسالة رغم طول الزمن وقلة المستجيبين.
تحمّل إبراهيم عليه السلام في سبيل تبليغ رسالة الله الإحراق بالنار على يد قومه، وترك زوجته وولده في واد غير ذي زرع، وبقي وافياً بعهده مع الله تعالى، مستمراً في تبليغ رسالته ونشر دينه دون أن يطلب على ذلك أجراً من أحد.
كسّر إبراهيم عليه السلام أصنام قومه جميعها إلا كبيرها، فلما تساءل الناس من فعل هذا بآلهتهم قال بعضهم: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، فأحضروه أمام الناس وسألوه، فأحالهم على كبير الأصنام ليسألوه إن كان ينطق، فرجعوا إلى أنفسهم وأقروا بظلمهم ثم نُكسوا على رؤوسهم عناداً. وذكر القرآن أيضاً محاجته للنمرود وانتصاره عليه بالدليل والبرهان، وكل ذلك شاهد على كمال فطنته وقوة حجته عليه السلام.
«﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ... ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ (الأنبياء: 59، 63)»
أصاب أيوب عليه السلام ضرٌّ وكربٌ شديد في بدنه، فدعا ربه كاشفاً عما نزل به. ولم يذكر القرآن الكريم شيئاً من تفصيلات الإسرائيليات التي زعمت إصابته بالبرص وتساقط الدود من جسده وكراهية زوجته له وهربها منه، فهذه أباطيل وأكاذيب لا تصح ولا تليق بمقام النبوة. وقد استجاب الله دعاءه فكشف عنه الضرّ ورد إليه أهله ومثلهم معهم رحمة منه.
«﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ (الأنبياء: 83-84)»
استشهد المؤلف بقصة يوسف عليه السلام على معنى العصمة في اللغة وهو المنع، إذ راودته امرأة العزيز عن نفسه فامتنع أشدّ الامتناع واستعصم عن الفاحشة، وذلك مثال على أن العصمة من الفواحش والذنوب صفة ثابتة للأنبياء أكرمهم الله بها وميّزهم بها عن سائر البشر فلا تقع منهم كبيرة ولا صغيرة.
«﴿وَلَقَدْ رَاوَدَتْهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (يوسف: 32)»
أكل آدم عليه السلام من الشجرة التي نُهي عن الأكل منها فبدت له سوءته، فعصى ربه وغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهداه. وذكر المؤلف أن هذه المخالفة وقعت قبل النبوة بدليل أن الاجتباء والاصطفاء جاءا بعدها، وأن قيلاً آخر يرى أن آدم أكل ناسياً لا متعمداً استناداً لآية أخرى تصفه بالنسيان لا العزم على المعصية.
«﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ ... ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ (طه: 121-122)»
لما هلك ابن نوح عليه السلام مع من هلك في الطوفان لكفره، دعا نوح ربه أن ابنه من أهله الذين وعده الله بنجاتهم، فأخبره الله أنه ليس من أهله لأنه عمل غير صالح، وأن رابطة الدين والعمل الصالح أقوى من رابطة النسب والدم، فأدرك نوح ذلك واعتذر إلى ربه مستعيذاً به أن يسأله ما ليس له به علم، طالباً مغفرته ورحمته.
«﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ... ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (هود: 46-47)»
غلبت نوحاً عليه السلام عاطفة الأبوة فدعا ربه في شأن ابنه الذي لم يكن من أهل الإيمان، فلما تبيّن له أن سؤاله لم يكن بعلم لجأ إلى الله مستغفراً. وليس هذا من قبيل الذنب والمعصية، وإنما هو من قبيل التنبيه إلى فعل الأكمل والأفضل بالنسبة لمقامه الرفيع.
«رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ»
لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكاً في وجود الله، بل نشأ مؤمناً منذ صغره. وقوله عن الكوكب والقمر والشمس (هذا ربي) كان من قبيل التسليم الجدلي في مقام إقامة الحجة على قومه عبدة الكواكب، إذ تنزّل معهم إلى مستوى إدراكهم وتدرّج في إبطال عقيدتهم بالمنطق السليم والحجة.
«وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ»
سأل إبراهيم عليه السلام ربّه: رب أرني كيف تحيي الموتى، وليس ذلك شكاً منه في قدرة الله تعالى، فهو أبو الأنبياء وواضع أسس التوحيد، وإنما سأل عن الكيفية لا عن أصل القدرة، طلباً لطمأنينة قلبه وشوقاً للتطلع على أسرار الصنعة الإلهية.
«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»
لم تقتصر معجزات النبي ﷺ على القرآن الكريم فحسب، بل هناك معجزات حسّية كثيرة تحققت في زمنه وشاهدها الناس عياناً ممن كان حوله، منها حادثة الشاة المسمومة، وحادثة شويهة جابر في غزوة الأحزاب، وقصة إسلام صفوان بن أمية، ونماذج أخرى كثيرة من الحوادث الخارقة للعادة التي تعطّلت معها السنن الكونية، تأكيداً على كونه ﷺ نبياً مرسلاً.
شهد للنبي ﷺ بالصدق كثيرون: عبد الله بن سلام من علماء اليهود قال حين رآه: هذا وجه ليس بوجه كذّاب، وأبو رمثة التميمي قال: هذا نبي الله، والغزالي بيّن أن من شاهد أخلاقه استحال أن يتصوّره كذاباً، وحتى أبو سفيان المشرك شهد لهرقل بصدقه وحسن سيرته وأخلاقه، فقال هرقل: هذه الأوصاف لا تكون إلا لنبي.
بيّن القرآن أن التوراة والإنجيل تشتمل على ذكر النبي ﷺ، وأن الله أخذ عهداً على أهل الكتاب أن يبيّنوا ذلك للناس فكتموه وعصوا. وكان أحبار اليهود ورهبان النصارى يتحدثون بأمره قبل مبعثه لتقارب زمانه، حتى هدد يهود الأنصارَ بأنهم سيُقتلون معه كعادٍ وإرم، فلما بُعث النبي ﷺ عرف الأنصار ما كانوا يوعدون به فآمنوا به سابقين إليه.
«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ»
من أدلة صدق نبوة محمد ﷺ إيمان كثير من اليهود والنصارى به لما وجدوا صفاته في كتبهم؛ فمن ذلك إسلام النجاشي ملك الحبشة لما بلغه كتاب الرسول ﷺ يدعوه إلى الإسلام حمله جعفر بن أبي طالب، فقال لما قرأه: أشهد بالله إنه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب. وقدم الجارود بن العلاء، وكان من علماء النصارى، في وفد قومه فشهد أنه وجد نعت النبي ﷺ في الإنجيل وبشّر به فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
«لقد جئتَ بالحقّ، ونطقتَ بالصدق... فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله»
شهد أعداء النبي ﷺ من مشركي قريش بصدقه وأمانته رغم كراهيتهم لدعوته، حتى كانوا يثقون به كامل الثقة ويؤتمنونه على ودائعهم، فظلت أماناتهم عنده حتى هاجر إلى يثرب. وسأل الأخنس بن شريق أبا جهل عمّا سمعه من محمد فأخبره بأن بني عبد مناف وبني مخزوم تنازعا الشرف حتى قالت بنو عبد مناف: منا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فقال أبو جهل: والله لا ندرك مثل هذا فلا نؤمن به ولا نصدّقه. وقال أبو جهل في موضع آخر إن محمداً صادق وما كذب قط.
«ويحك، والله إنّ محمّداً لصادقٌ، وما كذب محمّدٌ قطّ»
من خصائص الرسالة المحمدية أنها عامة خالدة لكل الناس، بخلاف رسالات الأنبياء السابقين التي كانت مقصورة على أممهم كإبراهيم ولوط عليهما السلام إذ أرسل كل منهما إلى قوم غير القوم الذين أرسل إليهما الآخر. فقد أرسل الله محمداً ﷺ إلى كافة الناس على اختلاف أجناسهم وقبائلهم وأزمانهم، قال تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً. وفي الحديث الصحيح: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود.
«كان كلّ نبيّ يُبعث إلى قومه خاصّة، وبعثتُ إلى النّاس عامّة»
تفرّدت الرسالة المحمدية بأن الله سبحانه تكفّل بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتحريف إلى أبد الآبدين، بخلاف سائر الرسالات السابقة التي دخلها التصحيف والتحريف بعد انقراض أنبيائها وضاعت حقيقتها في روايات الناس. فالقرآن منقول بالتواتر لم يتغير منه لفظ، وسيرة النبي ﷺ وأقواله وأفعاله وأحواله كلها محفوظة مدوّنة في كتب الحديث والسيرة كأننا نشاهده اليوم بأعيننا ونسمع كلامه بآذاننا.
«إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون»
من خصائص الإسلام أنه دين الفطرة، يعترف بحقيقتها في تكوين الإنسان فيرضيها ضمن حدود مشروعة دون إفراط أو تفريط، فأباح التملك والزواج والتمتع بطيبات الرزق مع النهي عن الاغترار بالمتع المادية واتخاذها مقياساً للإنسانية. وقد وقف الإسلام وسطاً بين مغالاة اليهودية في الانغماس بشهوات الدنيا وملذاتها، ومغالاة النصرانية المحرّفة في الانكماش والزهد الذي يصادم الفطرة ولا يقوى الإنسان على احتماله.
«قل مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق»
جاءت الشريعة المحمدية لتحقيق مصلحة الإنسان ودرء المفسدة عنه، وقسّم الإمام الشاطبي مقاصد الشريعة إلى ضرورية وحاجية وتحسينية. والضروريات الخمس التي صانتها الشريعة ووضعت عليها العقوبات الرادعة هي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل، فشرعت القصاص في القتل والحدّ في الزنى والقذف والسرقة وشرب الخمر. أما الحاجيات ففيها رخص العبادات كإفطار المسافر والمريض وعقود المعاملات كالقروض والمساقاة، وأما التحسينيات فمكارم الأخلاق وآداب الزينة والأكل والشرب.
من أبرز خصائص الإسلام أنه دين سهل ميسور، يعارض كل صور الضيق والحرج في تكاليفه، ويتلاءم مع طاقة الإنسان دون عنت ولا إرهاق. وقد جاءت آيات كثيرة تنفي الحرج، منها: لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها، ويريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج. وقال النبي ﷺ: إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، وقال: يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا.
«إنّ الدّين يسرٌ، ولن يشادّ الدّين أحدٌ إلّا غلبه»
تتميز الرسالة المحمدية بالشمول، إذ تتضمن كل ما يحتاج إليه الإنسان في أمور دينه ودنياه وآخرته، فنظمت العقيدة والأخلاق والعبادات والأسرة والمعاملات المالية والقضاء والعقوبات وغيرها، قال تعالى: ما فرّطنا في الكتاب من شيء. وهي مع شمولها مرنة قادرة على احتواء الواقع البشري كله واستيعاب المشكلات المستجدة، فلا تقف متخلّفة عن ركب الحياة الناشطة مهما امتدّ الزمن أو تبدّلت الأحوال والظروف.
«ما فرّطنا في الكتاب من شيء»
من أبرز خصائص الرسالة المحمدية أنها جاءت لتكون خاتمة الرسالات السماوية جميعاً، فمحمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، فلا نبي بعده ولا شريعة سماوية تأتي من بعده، والاعتقاد بخلاف ذلك يكون بذلك أصل من أصول الدين يكفر منكره ويخرجه من دائرة الإسلام جاحده.
«ما كان محمّدٌ أبا أحدٍ من رّجالكم ولكن رّسول اللّه وخاتم النّبيّين»
ضرب النبي ﷺ مثلاً لنفسه مع الأنبياء قبله برجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فقال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين. وحذّر أمته من دعاة النبوة الكذبة بعده، وأخبر أنه سيكون في أمته ثلاثون كذاباً كلهم يزعم أنه نبي.
«مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، إلّا موضع لَبِنَة من زاوية، فأنا اللَّبِنَة، وأنا خاتم النبيين»
جمع الله لسيدنا محمد ﷺ ما تفرّق من شارات السيادة والنُّبل في الأنبياء من قبله: احتمال نوح وصبره على الدعوة، وبذل إبراهيم وكرمه ومجاهدته في الله، وشكر داود على النعمة، وزهد زكريا ويحيى وعيسى في الدنيا واستعلاؤهم على شهواتها، وجمع يونس بين الشكر في السرّاء والصبر في الضرّاء، وشجاعة موسى وهارون وبأسهما، مع رفق هارون ولينه.
عدّد الكتاب عشر خصائص خصّ الله بها نبيّه محمداً ﷺ: كونه خاتم النبيين، وعموم بعثته للناس أجمعين، وأخذ الله العهد على الأنبياء أن يؤمنوا به، ونصره بالرعب مسيرة شهر، وجعل الأرض له ولأمته مسجداً وطهوراً، وإحلال الغنائم له ولأمته، وتحريم نكاح أزواجه من بعد وفاته، واختصاصه بالمقام المحمود يوم القيامة، وبالكوثر، وإعطاؤه الوسيلة وهي أعلى درجات الجنة.
«أُعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُحلّت لي الغنائم، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يُبعث إلى قومه خاصّة وبُعثت إلى الناس عامّة»
ذُكر في بيان أنواع الوحي أن الله أوحى إلى أم موسى عليه السلام وحي إلهامٍ بإشراق الفطرة أن تُرضعه، فإذا خافت عليه من فرعون وأعوانه فلتُلقه في اليمّ، وهذا مثال على الوحي الذي يقع في قلب غير الأنبياء إلهاماً بلا واسطة ملك.
«وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ»
ذُكر في بيان أنواع الوحي أن الله أوحى إلى زكريا عليه السلام بمعنى الإشارة، إذ أمره أن يُشير إلى قومه بتسبيح الله بكرةً وعشيّاً، وذلك في سياق آيةٍ له بعد البشارة بيحيى ألّا يُكلّم الناس ثلاثة أيام إلّا رمزاً.
«فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا»
ذُكرت رؤيا إبراهيم عليه السلام كمثالٍ على الوحي الذي يقع بلا واسطة عن طريق الرؤيا الصادقة في المنام، إذ رأى عليه السلام في منامه أنه يذبح ابنه، فأخبره بذلك وسأله رأيه، وهذا من أوضح صور الوحي المباشر إلى قلب النبي.
«إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ»
من أنواع الوحي: سماع الكلام الإلهي دون رؤية المتكلم، ومثاله ما حصل لموسى عليه السلام حين ناجاه ربّه في جانب الطور فقال له: اخلع نعليك إنك بالواد المقدّس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى.
«فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّىٓ أَنَا رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ (طه: 11-13)»
من أنواع الوحي أيضاً ما كان لرسول الله ﷺ في الإسراء والمعراج من تكليم الله له مباشرة، دون واسطة ملَك، وقد اشتمل هذا التكليم على فرض الصلوات الخمس.
شارك موسى عليه السلام في سماع هذا النوع من الوحي غير المباشر سبعون رجلاً من بني إسرائيل اختارهم للميقات، فلما سألوا رؤية الله جهرة أخذتهم الرجفة، فدعا موسى ربّه ألا يهلكهم بما فعل السفهاء منهم.
«وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَٰتِنَا فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّا (الأعراف: 155)»
ورد أن رسول الله ﷺ رأى جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية مرتين: مرة في غار حراء قبيل الرسالة، ومرة عند سدرة المنتهى ليلة المعراج، وهذا من أخصّ ما امتاز به عن غيره في تلقّي الوحي.
«وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ (النجم: 13-14)»
كان أوّل نزول الوحي على النبي ﷺ بغتة في غار حراء على غير ميعاد سابق، وهو يتعبّد فيه الليالي ذوات العدد، فجاءه جبريل عليه السلام وضمّه بقوّة ثلاث مرات يقول له: اقرأ، فيجيب الرسول ﷺ: ما أنا بقارئ. فرجع ﷺ إلى أهله يرجف فؤاده من شدّة الخوف، خشية أن يكون طائفه هذا من الجنّ.
«ما أنا بقارئ»
بعد أوّل نزول الوحي فتر الوحي عن النبي ﷺ مدةً قيل إنها أيام أو أشهر، فلقي بسبب ذلك حزناً عظيماً حتى كاد يتردّى من شواهق الجبال، وهو أشدّ ما يكون إليه شوقاً وطلباً، ثم تتابع عليه الوحي بعد ذلك حتى كثُر.
أبطأ الوحي شهراً كاملاً عن رسول الله ﷺ بعد حديث الإفك، فبقي خلاله صامتاً فريسةً للشكّ والقلق، ينتظر وحي السماء، حتى نزلت آيات النور تبرّئ أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ممّا رُمِيت به.
كان النبي ﷺ يتحرّق شوقاً إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وظلّ يقلّب وجهه في السماء ستة عشر أو سبعة عشر شهراً لعلّ الوحي ينزل بذلك، فلم ينزل القرآن بتحويل القبلة إلا بعد قرابة عام ونصف من انتظاره وترقّبه.
وصف النبي ﷺ طريقة نزول الوحي عليه فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيُفصَم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلّمني فأعي ما يقول. وكان جسمه الشريف يثقل حتى تكاد فخذه ترضّ فخذ من يجالسه، ويتصبّب عرقاً في اليوم الشديد البرد.
«أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيُفصَم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلّمني فأعي ما يقول»
قصّ القرآن دعاء إبراهيم عليه السلام حين أسكن ذريته (إسماعيل عليه السلام وأمه) بوادٍ غير ذي زرع عند البيت الحرام، فسأل ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأن يرزقهم من الثمرات. وقد تحقق هذا الدعاء إذ وعد الله أهل مكة بالرخاء والغنى فمنع عنهم المشركون قصد البيت، وصاروا يعتمدون في اقتصادهم على قصد الحجيج، ويُرى مصداق ذلك اليوم فيما تختزنه صحاري الجزيرة من نفط ويورانيوم.
«رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»
ذكر الكتاب ما حاق بقوم نوح عليه السلام من الطوفان المدمّر جزاءً لإعراضهم عن دعوة نبيّهم إلى توحيد الله، وساقه مثالاً على صدق أنباء القرآن عن الأمم السالفة.
ذكر الكتاب قصة إبراهيم عليه السلام مع الحاكم الطاغية النمرود، وبيّن أن الله سبحانه القادر على جعل النار محرقة هو القادر على سلبها هذه الخاصية، كما فعل معه حين أُلقي فيها فنجا منها بقدرة الله، دليلاً على أن سنن الكون لا تقيّد قدرته تعالى.
أشار الكتاب إلى الحوار المثير الذي دار بين موسى كليم الله عليه السلام وفرعون المتجبّر المستكبر، وما آل إليه أمر فرعون من سوء المصير جزاء تكذيبه وتجبّره، وساقه القرآن مثالاً على تحقق نبوءاته.
ذكر الكتاب خلق آدم عليه السلام من تراب دليلاً على أن قدرة الله سبحانه لا تتقيّد بالأسباب المعتادة، فكما خلقه من تراب بلا أبوين فهو قادر سبحانه على خلق عيسى عليه السلام من أمّ بلا أب.
استدلّ الكتاب بقدرة الله على خلق آدم عليه السلام من تراب وعلى خلق الإنسان من ذكر وأنثى، على قدرته سبحانه على خلق عيسى عليه السلام من السيدة مريم العذراء بلا أب، آيةً خارقة للعادة تثبت أن الله لا يتقيّد بسننه الظاهرة.
ذكر الكتاب أن الله الذي أعطى المرأة الولود القدرة على الإنجاب قادرٌ على أن يهب العقيم هذه القدرة، كما فعل بأمّ يحيى بن زكريا عليهما السلام، فرزقها الحمل والولادة بعد عقمها، آيةً من آيات قدرة الله سبحانه.
من معجزات موسى عليه السلام الحسّية الثابتة بالخبر الصادق المتواتر الذي أخبر الله به في القرآن الكريم: انفلاق البحر له حين ضربه بعصاه فنجا هو ومن معه، وهي آية كونية أيّد الله بها صدق نبوته، ثم عاد البحر بعد ذلك إلى حاله.
من معجزات إبراهيم عليه السلام الحسّية الثابتة بنصّ القرآن الكريم القطعي: عدم إحراق النار له حين أُلقي فيها، وهي آية كونية أيّد الله بها صدق نبوته، ثم عادت النار بعد نجاته إلى طبيعتها في الإحراق.
برع الناس في عهد عيسى عليه السلام في الطب، فأيّده الله سبحانه بمعجزات حسّية خارجة عن مقدور البشر: إبراء الأكمه (من وُلد أعمى) والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذنه، وهي معجزات ثابتة بنصّ القرآن الكريم القطعي.
بعث الله نوحاً عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام، فمكث يدعوهم تسعمائة وخمسين عاماً كما أخبر القرآن الكريم، فلم يؤمن به خلال هذه المدة الطويلة إلا القليل، وكان قومه يستهزئون به ويؤذونه ويوصي بعضهم بعضاً بالتمسك بالكفر، فلما يئس من استجابتهم دعا عليهم ربه.
«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (العنكبوت: 14)»
أمر الله تعالى نوحاً عليه السلام أن يصنع سفينة ليحمل فيها من قد آمن، ومن كل صنف من الحيوانات زوجين، ثم أرسل على قومه المكذّبين الطوفان فلم ينجُ منهم إلا من حمله نوح في السفينة. حدّثنا القرآن الكريم عن قصة نوح وقومه كاملة في سورة هود الآيات (25-49).
من أعظم معجزات الأنبياء التي جاءت في قمة الأدلة التي تؤكّد عظمة الخالق في مشيئته واقتداره: عدم إحراق النار لإبراهيم عليه السلام. حكى الله قصته مع قومه، وكيف أنقذه من النار، في الآيات (51-70) من سورة الأنبياء، وفيها ردّ إبراهيم على قومه: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم.
«﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: 69).»
أرسل الله صالحاً عليه السلام إلى قومه ثمود ليهديهم إلى عبادة الله وحده، فلم يتبعه منهم إلا قليل، وطلبوا منه دليلاً على أنه رسول من عند الله، فاختاروا هم الدليل: أن تخرج لهم ناقة من صخرة عيّنوها، ففعل الله ذلك، ولكنهم بدل أن يؤمنوا عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، فعاقبهم الله على ما اقترفوه من ذنب بالصيحة فأصبحوا هالكين. ووجه الإعجاز أنه لم يجرِ العادة بخروج ناقة من صخرة.
أرسل الله سبحانه موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه بتسع آيات، منها معجزة العصا: فحين اجتمع سحرة فرعون وألقوا حبالهم وعصيّهم فخُيّل للناس أنها تسعى، أمر الله موسى أن يلقي عصاه فإذا هي تلقف ما صنعوه من سحرهم. وقد فُتن السحرة بما رأوا فآمنوا بربّ هارون وموسى، وكان إيمانهم برهاناً دامغاً لفرعون يثبت له وللملأ من حوله صدق المعجزة وأن موسى رسول الله حقّاً.
«﴿قَالُوا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ (طه: 70).»
كان من معجزات موسى عليه السلام معجزة اليد: أنه كان يُدخل يده في جيبه ثم يخرجها فإذا هي بيضاء للناظرين من غير أن يكون بياضها عن مرض، دليلاً آخر من عند الله على صدق رسالته إلى فرعون وقومه.
«﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ﴾ (النمل: 12).»
من معجزات موسى عليه السلام معجزة الرجز، أي العذاب، وتضمّنت صوراً متتالية من الآيات الربانية على فرعون وقومه: سنون الجدب والقحط، ونقص الثمرات، وطوفان أتلف الزرع وهدم البيوت، والجراد الذي لا يُبقي على زرع أو شجر، والقُمّل، والضفادع التي كثرت حتى في طعامهم وملابسهم، والدم إذ استحال ماء مصر دماً فلم يجدوا ما يشربون، ولم ينل بنو إسرائيل من ذلك شيء.
لما خرج موسى عليه السلام وقومه من مصر وأدركهم فرعون عند البحر، أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه ففعل فانفلق البحر واثنا عشر طريقاً يابساً مشى فيه موسى عليه السلام ومن معه، وتبعهم فرعون فأغرقه الله هو وقومه في البحر. سجّل القرآن هذه الحادثة في الآيات (52-68) من سورة الشعراء وغيرها.
«﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الشعراء: 63).»
لما نفد الماء الذي كان مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل في صحراء التيه، أمره الله أن يضرب الحجر بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً على عدد أسباط بني إسرائيل، فعلم كل قوم مشربهم.
«﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (الأعراف: 160).»
لما تمادى جمهور من بني إسرائيل في غيّهم واشتطّوا في أسئلتهم، فطلبوا من موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة، بعد كل ما شهدوه من آيات ومعجزات، بعث الله عليهم الصاعقة فأماتتهم جميعاً، ومكثوا يوماً وليلة ينظر الحيّ منهم إلى الميت، ثم بعثهم الله من بعد موتهم ليستوفوا آجالهم المقدّرة ولتكون هذه المعجزة عبرة لهم وشكراً على نعمة الحياة.
«﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (البقرة: 55).»
لمّا تلقّى موسى عليه السلام الألواح من ربّه وأمره أن يأخذ الميثاق على بني إسرائيل بما فيها، تردّدوا في إعطاء الميثاق، فرفع الله جبل الطور فوقهم إخافةً لهم وإنذاراً بحلول عقاب الله وغضبه عليهم إن لم يستجيبوا للأمر، فعند ذلك خضعوا لله وأعطوا الميثاق على أنفسهم.
«﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ﴾ (الأعراف: 171).»
أنعم الله على بني إسرائيل بطريقة تخالف مجرى العادات الكونية الدائمة، تأييداً لموسى عليه السلام، فظلّلهم بالغمام يسترهم من حرّ الشمس ويقيهم ويتابعهم أينما ساروا، وأنزل عليهم الغذاء الطيّب المنّ والسلوى دون جهد ولا تعب، إذ كان الله ينزل عليهم كلّ يوم على مقدار حاجتهم للطعام.
«﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ (البقرة: 57).»
أحيا الله قتيلاً من بني إسرائيل بأن ضرب جسده ببعض البقرة التي أُمروا بذبحها، وذلك ليخبر عن قاتله من جهة، ولتكون حياته بعد الموت دليلاً على البعث من جهة أخرى. أنزل الله في هذه المعجزة الآيات (67-73) من سورة البقرة.
«﴿فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73).»
أجرى الله تعالى على يدي عيسى عليه السلام معجزات حسّية كثيرة ذكرها القرآن الكريم: فلقد أحيا المسيح عليه السلام الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وصنع من الطين كهيئة الطير فكان ينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كلّه بإذن الله، فهو سبحانه المقدّر المريد الذي ينفّذ بمشيئته ما أراد، فما كان لتلك المعجزات أن تتحقّق لولا مشيئة الله التي تغلب كلّ تقدير وتسبق كلّ مشيئة.
كان من معجزات عيسى عليه السلام أيضاً إخباره ببعض المغيّبات، فكان يخبر قومه بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم.
دعا عيسى عليه السلام ربّه أن ينزل عليه مائدة من السماء لتكون دليلاً للحواريين على صدقه، فاستجاب الله دعاءه. وردت هذه المعجزة في الآيات (110-115) من سورة المائدة.
لمّا أراد اليهود قتل عيسى عليه السلام رفعه الله إلى السماء، وكانت هذه المعجزة برهاناً يدلّ على صدقه وحماية الله له من أعدائه.
«﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ (آل عمران: 55).»
أوتي النبيّ محمد ﷺ من المعجزات ما يلفت النظر ويدهش العقل، ومعجزاته ثلاثة أقسام، أولها حياته وسيرته الكريمة بكل ما تنطوي عليه من مكارم الأخلاق، فقد كانت معجزة في استقامته وعدله وقضائه، وفي تسامحه وعفوه عن المسيء مهما أساء، حتى ليعجب المرء لهذا القلب العظيم الذي لا يحمل ضغينة على أحد، كقصته مع وحشي وهند بنت عتبة وزوجها أبي سفيان، وكذلك حرصه على المساواة في تنفيذ حكم الله فلا يحابي ولا يميل.
من معجزات النبي محمد ﷺ الحسّية معجزة الإسراء والمعراج، التي تحدّث عنها القرآن الكريم في مطلع سورة الإسراء، وثبت المعراج بالأحاديث التي بلغت مبلغ التواتر مما رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث، وأشار القرآن إلى ذلك في سورة النجم. وأجمع جمهور المسلمين على أن الإسراء والمعراج كانا بجسده صلى الله عليه وسلم وروحه معاً يقظة لا مناماً.
«﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا﴾ (الإسراء: 1).»
من معجزاته ﷺ الحسّية معجزة انشقاق القمر، ذكرها القرآن الكريم في مطلع سورة القمر، وعن أنس رضي الله عنه: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر.
«﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ (القمر: 1).»
من معجزاته ﷺ نبع الماء من بين أصابعه، فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر فالتُمس الوَضوء فلم يوجد، فأُتي رسول الله ﷺ بوَضوء فوضع يده في الإناء، فرأى الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضّأ الناس جميعاً حتى توضّأوا من عند آخرهم.
من معجزاته ﷺ كذلك تكليم الشاة المصليّة المسمومة له، وذلك أن امرأة يهودية سمّتها وقدّمتها له صلى الله عليه وسلم، فمضغ منها لقمة فلم يسغها، فألقاها قائلاً: إن هذا العظم ليحدّثني أنه قد سُمّ.
««إن هذا العظم ليحدّثني أنه قد سُمّ»»
من معجزاته ﷺ كذلك إظهاره على بعض الغيب، كإخباره بذهاب ملك كسرى وقيصر على يد المسلمين، وإخباره بأن الحسن بن علي رضي الله عنهما سيكون سبباً في إصلاح الله به بين فئتين من المسلمين، فقد أخرج النبي ﷺ الحسن ذات يوم فصعد به المنبر فقال: ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين، وقد حدث ذلك في أيام معاوية رضي الله عنه عندما تنازل له الحسن عن الخلافة فحُقنت بذلك دماء المسلمين.
««ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»»
من إظهار الله نبيّه ﷺ على الغيب قصته مع صفوان بن أمية وعمير بن وهب، إذ اتفقا فيما بينهما سرّاً على قتل النبي ﷺ، فلما قدم عمير بن وهب على النبي ﷺ لتنفيذ ما حاكه في نفسه، قصّ عليه النبي ﷺ خبر المؤامرة من أوّلها، فبهت عمير، وكرّ راجعاً إلى صفوان مسلماً.
وهناك معجزات أخرى للنبي محمد ﷺ جاءت من طرق صحيحة لا خدش فيها عند أحد من علماء الحديث، كزيادة الطعام ببركته، وحنين الجذع إليه، وإبراء المرضى بلمسه، وغير ذلك من الخوارق الكثيرة التي تفيض بها كتب الحديث والسيرة النبوية.
القسم الثالث من معجزات النبي ﷺ: معجزة القرآن الكريم الخالدة الكبرى التي لا يؤثّر فيها مرور الزمن، فهي معجزة ذاتية ترتبط بالرسالة، تخاطب الفكر البشري على الدوام وتعتمد على القناعة العقلية. والإعجاز في القرآن يشمل نواحي كثيرة: إعجاز في اللفظ والتركيب البلاغي، وإعجاز في إخباره عن الغيوب وأنباء الأمم السابقة، وإعجاز في أنظمته وتشريعاته لمختلف ألوان النشاط البشري، وإعجاز في الحقائق العلمية والكونية التي أشار إليها.
خلق الله تعالى آدم عليه السلام بيده من طين، ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه، فكان أول فرد من البشر أوجده الله على سطح الأرض، وأبا البشر الذي منه تفرّع سائر بني آدم وسكان الأرض جميعاً، وقد أجمعت النصوص الشرعية والكتب السماوية على ذلك.
«﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾»
بعد أن نفخ الله تعالى الروح في آدم عليه السلام أمر الملائكة بالسجود له، سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، فسجدوا جميعاً إلا إبليس أبى واستكبر فكان من الكافرين. وقد خصّ الله آدم بأربع مزايا: خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وسجود الملائكة له، وتعليمه أسماء كل شيء.
«﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾»
بعد أن أسكن الله آدم عليه السلام الجنة كان يمشي فيها وحيداً فريداً، فخلق الله له حواء ليسكن إليها ويأنس بها. وروي أنها خُلقت من ضلع من أضلاع آدم وهو نائم، وقيل بل خُلقت من جنسه لا من ذاته، والله أعلم.
«﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾»
أسكن الله آدم وحواء الجنة، وأباح لهما الأكل من جميع أشجارها إلا شجرة واحدة نهاهما عنها ابتلاءً، وحذّرهما كيد إبليس، فنسيا ذلك ووسوس لهما الشيطان حتى أكلا منها فبدت لهما سوءاتهما، ثم أُهبطا إلى الأرض ليباشرا مهمة الخلافة فيها.
جاء في حديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة يلتمسون من يشفع لهم من هول الزحام، فيذهبون أولاً إلى آدم عليه السلام فيسألونه ذلك ويقولون له: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك الجنة، وأمر الملائكة فسجدوا لك.
««يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك الجنة، وأمر الملائكة فسجدوا لك»»
اختلف العلماء هل كان آدم عليه السلام نبياً فقط أم رسولاً أيضاً، والراجح عند المؤلف أنه رسولٌ أرسله الله إلى ذريته يعلّمهم التوحيد، لقوله تعالى ﴿إن الله اصطفى آدم...﴾. وفي الحديث سئل النبي ﷺ عن أول الأنبياء فقال آدم، فقيل أونبيٌّ كان؟ فقال: نعم نبيٌّ مكلَّم، أي كلّمه الله عزّ وجل مباشرة.
««يا رسول الله أيّ الأنبياء كان أوّل؟» قال: «آدم» قلت: يا رسول الله ونبيّ كان؟ قال: «نعم نبيّ مكلَّم»»
عاش آدم عليه السلام نحو ١٠٠٠ عام على ما ورد في بعض الآثار، فلما مات دُفن على المشهور عند الجبل الذي أُهبط فيه بالهند، وقيل بل دُفن بجبل أبي قبيس بمكة المكرمة.
لما آتاه الله النبوة نهى المفسدين من بني آدم عن مخالفة شريعة آدم وشيث، فأطاعه نفر قليل وخالفه جمع غفير فنوى الرحيل عنهم، فسألوه: أين نجد إذا رحلنا مثل بابل؟ فقال: إذا هاجرنا لله رزقنا غيره، فخرجوا حتى وصلوا أرض مصر فرأوا النيل ووادياً خالياً من ساكن، فأقام بمصر يدعو الناس إلى التوحيد ومكارم الأخلاق، وعلّم الناس السياسة المدنية ورسم لهم قواعد المدن، فبنت كل فرقة مدناً في أرضها حتى أُنشئت في زمانه ١٨٨ مدينة.
كانت مدة إقامة إدريس عليه السلام في الأرض ٨٢ سنة، ثم رفعه الله إليه حياً إلى مكان عليّ، وجاء في حديث المعراج أن جبريل عليه السلام لما مرّ به قال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح.
«﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ، وفي حديث المعراج: «مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح»»
كان قوم نوح أول قوم عبدوا الأصنام، بعدما كان الناس أمة واحدة على التوحيد، فاتخذوا آلهة من دون الله سمّوها وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وهي أسماء رجال صالحين من قومهم صوّروا تماثيلهم تذكاراً لهم، ثم عُبدت من بعدهم حين طال عليهم الأمد ونُسي أصل الأمر.
«﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾»
لما يئس نوح من إيمان قومه بعد دعوته الطويلة التي قاربت ألف عام ولم يؤمن معه إلا نحو ثمانين نفساً، أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومه أحد بعد الذين آمنوا، فدعا ربه ألا يذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، فاستجاب الله دعاءه وأعلمه أنه سيهلكهم بالطوفان، وأوحى إليه أن يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، ولم يكن لنوح ولا لغيره معرفة سابقة بصنع السفن.
«﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾»
لما تمّ عدّ نوح وجاء الموعد وفار التنور، أمره الله أن يحمل في السفينة أهله إلا من سبق عليه القول وجماعة المؤمنين، ومن كل زوجين اثنين، ثم أرسل الله مطراً غزيراً من السماء وفجّر الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قُدر، فحملت السفينة نوحاً ومن معه، ولم ينجُ من الغرق أحد ممن كان على وجه الأرض من الأحياء إلا ركاب السفينة، وهلك فيمن هلك ابنه الذي لم يركب معه.
«﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾»
حملت المياه السفينة ومن فيها، ومكثت ما شاء الله لها أن تمكث حتى لم يبق على وجه الأرض من الأحياء عين تطرف، ثم قيل للأرض أن تبلع ماءها وللسماء أن تُقلع، وغِيض الماء وقُضي الأمر، واستقرت السفينة على جبل الجودي من جبال أراراط، وهو جبل عظيم إلى جانب دجلة في نواحي ديار بكر (في تركيا اليوم من بلاد الجزيرة).
«﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾»
كان لنوح عليه السلام أربعة أبناء: سام وحام ويافث وكنعان، فأما كنعان فهلك مع الهالكين لأنه كان من الكافرين، وأما الثلاثة الباقون فنجوا وجاء من نسلهم أهل الأرض: فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان والفرنج والقبط والهند والسند، ويافث أبو الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
«﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾»
توفي نوح عليه السلام بعد أن مكث في قومه ٩٥٠ سنة قبل الطوفان، وعاش بعده مدة يعلمها الله، وقيل إن مجموع عمره كان بين ٣٩٠٠-٢٩٠٠ ق.م تقريباً، وعلى رأي ابن عباس رضي الله عنهما بلغ مقدار حياته ١٧٨٠ سنة، ودُفن بقرب المسجد الحرام بمكة المكرمة على الراجح من الأقوال.
كانت قبيلة عاد أشداء أقوياء ذوي بسطة في الجسم، مترفين في الحياة، يبنون القصور الشامخة ويقيمون القلاع والحصون، وعندهم البساتين النضرة والعيون الجارية، فاغتروا بقوتهم واتجهوا إلى عبادة الأوثان بعد الطوفان، فأرسل الله إليهم هوداً يدعوهم إلى عبادة الله وحده وينذرهم عذابه ويضرب لهم المثل بقوم نوح، فأصرّوا على كفرهم وقالوا له ما جئتنا ببينة، وأشهد هود الله أنه بريء مما يشركون.
«﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾»
لما أصرّ قوم عاد على التكذيب والعناد ولم ينفعهم إنذار هود، حبس الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى اشتد بهم الجدب، فرأوا سحاباً أسود فظنوه مطراً فإذا هو ريح فيها عذاب أليم، سلّطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتالية (حسوماً) فأهلكتهم وأهلكت ديارهم حتى صارت أجسامهم كأعجاز نخل خاوية، ونجّى الله برحمته هوداً والذين آمنوا معه من ذلك العذاب الغليظ.
«﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾»
سكن هود عليه السلام بلاد حضرموت بعد هلاك عاد، حتى مات وعمره ١٥٠ سنة، ودُفن في شرقي حضرموت بعد مرحلتين من مدينة تريم في اليمن الجنوبي، ويزعم أهل فلسطين أنه مدفون عندهم، والصحيح الأول والله أعلم.
لما استكبر قوم صالح عليه السلام وعقروا الناقة معجزته، أنذرهم بعذاب الله بعد ثلاثة أيام، فأخذتهم الصاعقة والصيحة والرجفة فدمّرتهم عن بكرة أبيهم، ونجا صالح والمؤمنون معه، وذكر الآلوسي أن الناجين مع صالح كانوا نحو 120 مؤمناً وكان الهالكون نحو 5000 بيت.
«﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾»
بعد هلاك قومه ثمود، رحل صالح عليه السلام إلى الرملة ونواحي فلسطين وعاش فيها إلى أن توفاه الله هناك على أشهر الأقوال.
لما حطّم إبراهيم عليه السلام أصنام قومه، تمسّكوا بكفرهم وحاولوا قتله بإحراقه في النار، فلم تحرقه لأن الله أمرها أن تكون برداً وسلاماً عليه، فنجّاه الله منها.
«﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾»
ظهر في زمن إبراهيم عليه السلام الطاغية النمرود بن كنعان الذي ادّعى الربوبية لنفسه ونازع الله في سلطانه، فناظره إبراهيم بالحجة والبرهان في مسألة الإحياء والإماتة وطلوع الشمس من مشرقها، فأفحمه وأبطل حجته.
«﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾»
بعد أن يئس إبراهيم عليه السلام من هداية قومه وهدده أبوه بالرجم، ترك ديارهم في أور الكلدانيين ورحل إلى حرّان قرب الشام، ثم إلى فلسطين ومعه زوجه سارة وابن أخيه لوط، ثم نزل شكيم (نابلس)، ولما ألمّ بالشام قحط انتقل إبراهيم إلى مصر مع سارة.
لما نزل إبراهيم مصر أراد ملكها الفاجر أن يعتدي على سارة فأظهر الخليل أنها أخته فمنعها الله منه وأطلق سراحها وأخدمها هاجر، فوهبت سارة هاجر لإبراهيم لعلّ الله يرزقه منها الولد، فتزوجها فأنجبت له إسماعيل وكان عمره حينئذ 86 سنة.
رزق الله إبراهيم عليه السلام على الكبر ولداً آخر من زوجه سارة العجوز وهو إسحاق، وكان إبراهيم حينذاك في فلسطين قد بلغ من العمر مئة سنة، فكان ذلك آية على قدرة الله واستجابة لدعوة الخليل عليه السلام.
«﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾»
رحل إبراهيم عليه السلام بهاجر وابنه الصغير إسماعيل إلى الحجاز، وترك زوجه وابنه بوادي مكة غير ذي زرع عند البيت، امتثالاً لأمر الله واستودعهما إياه، ودعا الله أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأن يرزقهم من الثمرات.
«﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾»
لما نفد الزاد واشتد الظمأ بهاجر وولدها إسماعيل، سعت بين الصفا والمروة تلتمس الماء فرأت ملَكاً (جبريل عليه السلام) يضرب الأرض بعقبه أو بجناحه فنبعت زمزم حتى ارتوت هاجر وولدها، فنزلت عندهما قبيلة جرهم وعمرت بهم مكة بعد أن كانت قفراً موحشاً.
كان إبراهيم عليه السلام يزور مكة بعد ذلك الحين، ففي إحدى زياراته أمره الله أن يرفع مع ابنه إسماعيل قواعد البيت الحرام، ويؤذّن في الناس بالحج، وأن يطهّره للطائفين والعاكفين والركّع السجود.
«﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾»
رأى إبراهيم عليه السلام في منامه أن يذبح ابنه الوحيد إسماعيل ابتلاءً له، فاستجاب إبراهيم وابنه لأمر الله دون تلكؤ، ولما باشر الخليل تنفيذ الرؤيا نُودي ألا يذبحه، وفداه الله بذبح عظيم إيثاراً لرضا الله عنه، وشُرعت الأضحية إحياءً لهذه الواقعة.
لما شبّ إسماعيل عليه السلام تزوج من قبيلة جرهم وتعلّم منهم العربية، ورُزق اثني عشر ولداً ذكراً، ومن نسله جاء العرب الذين يُعرفون بالعرب المستعربة، وهو الذي ينتسب إليه النبي محمد ﷺ.
عاش إبراهيم عليه السلام 175 سنة على أصحّ الروايات، في الفترة ما بين 1861-1681 ق.م تقريباً، ودُفن في مغارة المكفيلة بحبرون التي دُفنت فيها سارة من قبل، في البلدة التي تُسمّى الخليل الآن وكانت تُسمّى من قبل قرية أربع.
عاش إسماعيل عليه السلام 137 سنة في الفترة بين 1781-1638 ق.م تقريباً، ومات بمكة، ودُفن عند قبر أمه هاجر في الحِجر بجوار البيت العتيق، والصحيح خلافاً لما تذكره التوراة أنه لم يمت بأرض فلسطين.
كان أهل سدوم أفجر الناس وأخبثهم يأتون الفاحشة (إتيان الذكور دون النساء) ويقطعون السبيل، فدعاهم لوط عليه السلام مراراً فكذّبوه وهمّوا بإخراجه من قريتهم، فأرسل الله الملائكة في صورة شباب فأخبروا لوطاً بحقيقة الأمر وأمروه بالخروج ليلاً بأهله المؤمنين، فلما أشرقت الشمس أخذتهم الصيحة وجُعلت قراهم عاليها سافلها وأُمطروا حجارة من سجيل، ونجا لوط وأهله إلا امرأته الكافرة.
«﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾»
مرّت الملائكة المرسلة لإهلاك قوم لوط في طريقها على إبراهيم عليه السلام فبشّرته بإسحاق، وأخبرته أنها ذاهبة للانتقام من أهل سدوم وعمورة الظالمين، ففزع إبراهيم وخاف على ابن أخيه لوط، فجادلهم وناقشهم، فأخبروه بنجاة لوط وأهله إلا امرأته.
«﴿فَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾»
بشّرت الملائكة الأطهار إبراهيم الخليل عليه السلام بولادة إسحاق نبياً من الصالحين، وقد أثبت الله تعالى نبوته في القرآن الكريم في معرض الامتنان على أبيه إبراهيم عليه السلام.
«وَبَشَّرْنَٰهُ بِإِسْحَٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (الصافات: 112)»
سافر يعقوب إلى خاله لابان في فدّان آرام بالعراق وخطب ابنته الصغرى راحيل مقابل خدمته سبع سنين، فخدعه خاله وزوّجه ابنته الكبرى ليئة، ثم زوّجه راحيل أيضاً بعد سبع سنين أخرى، فجمع بين الأختين وكان ذلك مباحاً في شريعتهم قبل أن يُنسخ في التوراة كما هو في القرآن الكريم.
رأى يوسف عليه السلام في منامه وهو غلام صغير أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، فقصّها على أبيه يعقوب، ففهم أن لابنه شأناً عظيماً، فأمره بكتمانها عن إخوته خشية أن يحسدوه ويكيدوا له.
حسد إخوة يوسف أباهم إيثاره له، فدبّروا مكيدة وألقوه في غيابة الجبّ، فمرّت قافلة فأخرجته وأدلت دلوها فتعلّق به، ووصلت به إلى مصر فباعوه بثمن بخس عبداً لعزيز مصر، ورجع إخوته إلى أبيهم بقميصه ملطخاً بدم كذباً زاعمين أن الذئب أكله، لكنهم نسوا تخريق القميص فلم يصدقهم.
«وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (يوسف: 18)»
لما شبّ يوسف في بيت عزيز مصر أحبته امرأة العزيز وشغفت به ودعته إلى نفسها فاستعصم، فدبّرت له مكيدة سجنه على غير جريمة اقترفها رغم براءته، وقد دعا ربه أن يكون السجن أحبّ إليه من الفاحشة التي يدعونه إليها.
«رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ (يوسف: 33)»
مكث يوسف في السجن سنين يدعو السجناء إلى توحيد الله، حتى رأى الملك رؤيا عجيبة عجز عن تأويلها السحرة والكهنة، فتذكّر ساقي الملك وصية يوسف فأخبر الملك، فأرسله إليه وعبّر له الرؤيا، فأمر الملك بالإفراج عنه، لكن يوسف أبى الخروج حتى تثبت براءته من تهمة امرأة العزيز، فأمر الملك بإعادة التحقيق فشهد النساء ببراءته وأقرّت امرأة العزيز بذلك.
بعد خروجه من السجن ملّكه الملك خزائن أرض مصر، فأصاب الناس القحط فجاء إخوته يمتارون الطعام فعرفهم ولم يعرفوه، حتى اجتمع بأبيه وأمه وإخوته جميعاً في مصر بعد فراق طويل وحزن شديد، وردّ الله بصر يعقوب بعد أن ابيضّت عيناه من الحزن.
كان أهل مدين تجاراً وزراعاً على دين إبراهيم ورثوه عنه، فانحرفوا عن الصراط المستقيم وطفّفوا في المكاييل والموازين وأفسدوا في الأرض، فأرسل الله إليهم شعيباً يدعوهم إلى عبادة الله وحده وإيفاء الكيل والميزان وترك الفساد، فأنكروا عليه أشدّ الإنكار وتوعّدوه بأنه لولا رهطه لرجموه، وتوعّدوه بالإخراج من القرية هو ومن آمن معه إلا أن يعودوا في ملّتهم، وقعدوا على الطرق يصدّون الناس عن الإيمان به.
«وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ (الأعراف: 85)»
لما اشتدّت حماقة قوم شعيب في طلب أن يسقط عليهم كسفاً من السماء إن كان صادقاً، أخذهم الله بعذاب يوم الظلّة: سلّط عليهم حرّاً شديداً سبعة أيام حتى غارت مياههم، ثم ساق إليهم غمامة فاجتمعوا تحتها استظلالاً من الحرّ، فتزلزلت بهم الأرض وجاءتهم الصيحة وأمطرت عليهم السماء ناراً فاحترقوا، ونجّى الله شعيباً والذين آمنوا معه برحمته.
«فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (الشعراء: 189)»
كان أيوب من الأغنياء أصحاب الثروة والمال والبنين، فآتاه الله النعمة والرخاء، ثم ابتلاه بذهاب ماله وأهله وولده وأصابته الأمراض المضنية، فصبر على البلاء وحمد الله وأثنى عليه، وما زال على حاله من التقوى والعبادة والرضا عن ربه، فكان مثالاً لعباد الله الصالحين في حالَي الرخاء والبلاء وإرغاماً لأنف الشيطان.
حاول الشيطان أن يدخل على أيوب عليه السلام في زمن بلائه فلم يفلح، فحاول الدخول إليه عن طريق امرأته فوسوس لها فسألته: إلى متى تصبرين إلى أيوب؟ فغضب أيوب وسألها كم لبثت في الرخاء وكم في البلاء، فلما أجابته حلف ليضربنها مئة ضربة بسوط لأنها طلبت منه أن يسأل الله رفع بلائه قبل تمام مدة قضاها في رخائه.
نادى أيوب ربه في حال الوحدة والشدة فأجاب الله دعاءه وكشف بلاءه، وأوحى إليه أن يضرب برجله الأرض، فضرب فتفجّرت له منها عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها ويغتسل، ففعل فشفاه الله وعاد إليه ما فقد من صحته وأهله وماله وأكمل ما بقي من أجله.
«وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (الأنبياء: 83)»
أمر الله أيوب أن يبرّ يمينه في ضرب امرأته بأن يأخذ بيده ضغثاً من مئة عود خفيفة فيضربها به ضربة واحدة، فلا يحنث في يمينه، وشرع الله ذلك رحمة له ولمن يقع في مثل حاله من عباده وتحمّلها معه صنوف المحنة والابتلاء.
«وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ (ص: 44)»
كان اسم ذي الكفل الأصلي بِشراً، وسمي ذا الكفل لأنه تكفّل ببعض الطاعات فوفى بها، وقيل إنه تكفّل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل، فسمي بذلك، وكان مقامه في الشام حيث يتناقل أهل دمشق أن له قبراً في جبل قاسيون.
وُلد موسى في عهد فرعون الطاغية الذي كان يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، بعد وفاة يوسف بـ٦٤ سنة، فألقته أمه في اليم بإرادة الله بعد أن أوحى إليها بذلك، فبقي حياً حتى التقطه آل فرعون فربّوه معززاً مكرماً في بيت فرعون نفسه حتى شبّ واشتد.
دخل موسى المدينة فوجد رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر قبطي من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه من غير قصد قتله، فحزن وندم واستغفر ربه فغفر له. ولما شاع أنه يريد الفتك بإسرائيلي آخر خشي القتل فخرج خائفاً وحيداً ماشياً على قدميه إلى أرض مدين، فتزوج هناك بابنة شعيب على أن يخدمه عشر سنين في رعاية الغنم.
بعد إتمام موسى السنوات العشر في مدين عزم على الرجوع إلى مصر مع أهله، وبينما هو يسير ليلاً تائهاً رأى ناراً من جانب الطور فقصدها، فلما دنا سمع خطاب الله عز وجل يأمره بخلع نعليه لأنه بالوادي المقدس، وكلّمه ربه وأعطاه آية العصا واليد تدلان على صدق نبوته، وأمره أن يذهب إلى فرعون يدعوه إلى الله، فطلب أن يبعث معه أخاه هارون وزيراً.
«فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى (طه: 10)»
اجتمع موسى وهارون عليهما السلام وانطلقا إلى فرعون، فشرح له موسى رسالة ربه ودعاه إلى التوحيد والطاعة، فاستهزأ به فرعون وقال: وما رب العالمين؟ فردّ عليه موسى، فتوعّده فرعون بالسجن إن اتخذ إلهاً غيره، وحرّض الناس ضده، وجمع السحرة لتحدّي نبي الله بهم، فلما رأوا الآيات الباهرة آمنوا بالله رغم تهديد فرعون ووعيده.
«قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ (الشعراء: 23)»
تمادى فرعون في كفره وعناده وأراد قتل موسى، فجاء الأمر من الله بالرحيل من مصر مع بني إسرائيل إلى صحراء سيناء، فجعل الله لهم البحر طريقاً يابساً مشوا عليه، ولما حاول فرعون عبور الطريق نفسه بجنده انطبق عليه البحر فغرق هو وكان مع جنده من المغرقين.
ذهب موسى إلى مناجاة ربه في سيناء ومعه سبعون رجلاً اختارهم من قومه، وتلقى الألواح فيها الوصايا الإلهية، فعاد إلى قومه فوجدهم قد أضلّهم السامري وصنع لهم عجلاً من الذهب له خوار يعبدونه من دون الله، فخرجوا بذلك عن أوامر موسى وطاعة الله تعالى.
أمر الله موسى أن يتوجه ببني إسرائيل إلى بيت المقدس في فلسطين، فخرجوا حتى عطشوا في الطريق عطشاً شديداً فشكوا إلى موسى، فأمره الله أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأرسل الله لهم المنّ والسلوى رزقاً منه حلّ وعلا.
أمر موسى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ومقاتلة الجبارين فيها، فأبوا وجبنوا عن الجهاد وقالوا لنبيهم قولتهم الفاجرة، فكتب الله عليهم أن يتيهوا في سيناء أربعين سنة عقوبة لهم، حتى انقرض الجيل الذي عاش على الذلّ والهوان، ونشأ جيل جديد في الصحراء على الحرية والعزّة دخل الأرض المقدسة مع يوشع بن نون.
«فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ (المائدة: 24)»
توفي هارون عليه السلام في أرض التيه وعمره ١٢٢ سنة قبل وفاة أخيه موسى، وعاش موسى ١٢٠ سنة ضمن فترة التيه ثم توفي بعد أخيه. وردت في وفاته قصة مشهورة رواها أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مجيء ملك الموت إليه وصكّه إياه، ثم سؤاله ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر.
بعد أن ولي طالوت أمر بني إسرائيل وخرج بجنده لقتال الأعداء في فلسطين، هابهم بنو إسرائيل وأحجموا عن مبارزة قائدهم جالوت الجبار، فتقدّم له فتى صغير من سبط يهوذا هو داود فبارزه وقتله، فانهزم جيش جالوت، وآتى الله داود الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء.
«فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ (البقرة: 251)»
تسوّر خصمان محراب داود ففزع منهما، فاختصما عنده في نعجة، فقضى بينهما قبل أن يستمع كاملاً لدفاع الطرف الآخر - على خلاف عادة القضاء - فعلم أنها فتنة من الله فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب فغفر الله له. وينبه الكتاب إلى بطلان ما تناقله بعض المفسّرين اعتماداً على أهل الكتاب من قصة اغتصابه زوجة أحد قوّاده، فهي من الأباطيل الإسرائيلية المدسوسة التي تنافي عصمة الأنبياء ولا يصح سندها.
«وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ... فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (ص: 21-25)»
عاش داود عليه السلام نحو 77 سنة على ما يذكره أهل الكتاب (ما بين 1043-973 ق.م تقريباً)، وقيل عاش مئة سنة، ولبث في الملك أربعين سنة جمع فيها بين الملك والنبوة، ثم توفي ودُفن في بيت لحم بعد أن أوصى بالملك لابنه سليمان عليه السلام.
دخلت غنم قوم ليلاً حقل زرع فأفسدته، فتحاكم أصحاب الزرع وصاحب الغنم إلى داود فقضى بدفع الغنم لصاحب الزرع عوضاً عما أتلفته. فأفتى سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة بحكم أدق: أن تُدفع الغنم لأصحاب الزرع ينتفعون بألبانها وأصوافها وأولادها بينما يقوم أهل الغنم بإصلاح الحرث حتى يعود كما كان، ثم يعاد كل شيء إلى أصحابه.
«وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (الأنبياء: 78-79)»
قام سليمان عليه السلام بعمارة بيت المقدس تنفيذاً لوصية أبيه داود، بعد أربع سنين من توليه الملك، وأنفق في ذلك أموالاً كثيرة، وانتهى من بنائه بعد سبع سنين، وأقام السور حول مدينة أورشليم، ثم بنى الهيكل والقصر الملكي، وتمّ بناء ذلك كله في ثلاث عشرة سنة، وكان له اهتمام عظيم بالإصلاح والعمران وأسطول بحري وعناية بالخيل.
تفقّد سليمان جنوده فلم يجد الهدهد فتوعّده، فجاء الهدهد بخبر مملكة سبأ باليمن وملكتها بلقيس التي يعبد قومها الشمس من دون الله، فأرسل معه كتاباً يدعوها إلى الإسلام. استشارت بلقيس أشرافها فعرضوا القوة، فرأت هي أن دخول الملوك بالقوة إفساد وإذلال لأهل البلاد، فأرسلت هدية لاختباره فردّها سليمان وهدّدهم بجند لا قِبَل لهم به، فقرّرت القدوم إليه مسلمة. فأحضر عرشها بإذن الله قبل قدومها، وبنى لها صرحاً من زجاج فوق ماء جارٍ ظنّته بحيرة فكشفت عن ساقيها، فلما رأت الآيات أعلنت إسلامها.
«قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (النمل: 44)»
ذكر المفسرون في فتنة سليمان عليه السلام وجوهاً عدة، ولعلّ أقربها أنه ابتُلي بمرض شديد نحل منه جسده وضعف حتى صار لشدّة المرض يُلقى على الكرسي لا يستطيع الحركة، كأنه جسد بلا روح، فكان ذلك سبباً في ضعف نفسه، ثم أناب أي رجع إلى حال الصحة، وتاب إلى الله من هذا الضعف الذي يعتري البشر عادة، وكان الأجمل به أن يتحمّل ذلك بالصبر الجميل.
«وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (ص: 34)»
من الأوجه الأخرى التي ذكرها المفسرون لفتنة سليمان عليه السلام ما ورد أنه قال: لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة كلّهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعاً فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل. فلما رأى سليمان عليه السلام ذلك، ووُضع شقّ الإنسان على كرسيه، أناب ورجع إلى الله تعالى.
«لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة، كلّهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله»
توفي سليمان عليه السلام وهو متكئ على عصاه قائماً في محرابه، فلم يدلّ الإنس والجن على موته شيء، وظلّ الجن يعملون له الأعمال الشاقة المهينة ظنّاً منهم أنه حيّ، حتى مرّ عام كامل، فلما أكلت الأرَضة عصاه خرّ على الأرض، فتبيّن للجن حينئذٍ أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لَما لبثوا تلك المدة في العذاب المهين.
«فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ (سبأ: 14)»
بعد انقسام ملك بني إسرائيل عقب وفاة سليمان، فشا الشرك وعبادة الأوثان في بني إسرائيل، وكان لهم صنم يسمى بعل يعبدونه من دون الله، فأرسل الله إليهم إلياس عليه السلام يدعوهم إلى نبذ عبادة الأصنام والاستمساك بعبادة الله وحده والرجوع إلى الشريعة التي جاء بها موسى ومن بعده، لكنهم أبَوا إلا الكفر بالله وعبادة الأصنام.
«أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَٰلِقِينَ (الصافات: 125)»
لما توفي إلياس عليه السلام آمن به اليسع وصاحبه مدة حياته، فأوحى الله إليه أن يقوم بعده بدعوة بني إسرائيل إلى عبادة الله الواحد القهار والتمسّك بشريعة إلياس، وقد كثرت في زمانه الأحداث والخطايا وكثر الملوك الجبابرة الذين قتلوا الأنبياء وشرّدوا المؤمنين، فوعظهم وخوّفهم من عذاب الله، ولكنهم لم يأبهوا لدعوته، حتى توفّاه الله فسلّط على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب.
كان أهل نينوى من أرض آشور قرب الموصل قد دخلتهم الوثنية وانتشرت فيهم عبادة الأصنام، ولهم صنم يسمّونه عشتار، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام، فذهب إليهم من بلاد الشام، فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ فكذّبوه ولم يستجيبوا لدعوته. فبقي معهم يذكّرهم ويعظهم ويدعوهم إلى الله، فلم يلقَ منهم إلا آذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً، فتوعّدهم بالعذاب بعد ثلاث إن لم يؤمنوا.
«وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ (سبأ: 34)»
لما طال على يونس عليه السلام تكذيب قومه خرج من بينهم مغاضباً قبل أن يأمره الله بالخروج، فركب سفينة فاضطرب بها البحر، فاقترعوا فوقعت القرعة عليه، فأشار عليهم أن يلقوه في البحر ليسكن فألقوه، فالتقمه حوتٌ عظيم بأمر الله، فسار به حيّاً في الظلمات ثلاثة أيام يسبّح الله ويستغفره حتى نجّاه، فقذف به على شاطئ العراء سقيماً، فأنبت الله عليه شجرة يقطين أكل منها واستظلّ بها حتى عافاه الله من سقمه.
«فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (الأنبياء: 87)»
لما خرج يونس عليه السلام من بين قومه وتحقّق أهل نينوى من قرب نزول العذاب بهم، قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، فندموا على ما فعلوا، ولبسوا المسوح، وفرّقوا بين كلّ بهيمة وولدها، وعجّوا إلى الله وصرخوا وتضرّعوا وبكوا، فكشف الله عنهم العذاب العظيم بحوله وقوّته ورأفته ورحمته. ولما عاد يونس إلى قومه بعد انقضاء مدة غيبته وجدهم مؤمنين تائبين إلى الله، فأقام فيهم يعلّمهم ويهديهم ويدلّهم على الله ويرشدهم إلى الصراط المستقيم.
«فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (يونس: 98)»
لما توفي عمران والد مريم عليها السلام، تكفّل بها زكريا عليه السلام وهو زوج خالتها، فكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، فسألها: يا مريم أنّى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فلما رأى زكريا كرامات الله لمريم طمع في فضل الله ورحمته، فسأل ربه أن يرزقه ولداً برّاً تقيّاً يواسيه في شيخوخته ويخلفه في تبليغ الرسالة.
«فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (آل عمران: 37)»
لما بلغ زكريا عليه السلام من الكبر عتيّاً، وكان عمره 99 سنة وعمر زوجته 98 سنة، سأل ربه أن يهبه وليّاً يرثه ويرث من آل يعقوب، خشية أن يضلّ بنو إسرائيل ويُفتنوا من بعده، فاستجاب الله دعاءه ورزقه على الكبر غلاماً زكيّاً هو يحيى، من امرأته العاقر التي لم تكن تلد في حال صباها، فأنجبت في سنّ الشيخوخة بقدرة الله.
«وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ (الأنبياء: 89) ؛ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ (الأنبياء: 90)»
بعد مقتل ولده يحيى عليه السلام على أيدي الظلمة من الحكام، لقي زكريا عليه السلام حتفه فذاق الكأس نفسها التي ذاقها ولده من قبله، فقد قُتل - كما يذكر بعض المؤرخين - نشراً بالمنشار، فلقي وجه ربه شهيداً مرضياً صلوات الله وسلامه عليه. وقد عاش نحو 130 سنة (100-30 ق.م تقريباً).
كان من أعظم الجبابرة الذين تسلّطوا على الصالحين والأنبياء حتى سفكوا دماءهم هيرودس حاكم فلسطين، الذي أمر بقتل يحيى بن زكريا عليهما السلام إرضاءً لأهواء أهل الضلال، وقدّم رأسه في طبق، وكان ذلك في حياة أبيه زكريا الشيخ الكبير عليه السلام.
نشأ يحيى عليه السلام - كما بشّر الله - على الصلاح والتقى والطهر، بعيداً عن مظاهر الترف والنعيم، فكان في شبابه يأوي إلى القفار ويقتات بالجراد ويكتفي بما يسوقه الله له من رزق، وكان يخاطب نفسه فيقول: من أنعمُ منك يا يحيى؟ وكان كثير العبادة والتضرّع والبكاء من خشية الله تعالى، حتى روى ابن عساكر أن أبويه خرجا يوماً في طلبه فوجداه عند بحيرة الأردن، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاءً شديداً مما هو فيه من العبادة والخوف من الله.
«وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (مريم: 13-14)»
أراد هيرودس حاكم فلسطين الجبّار أن يتزوج ابنة أخيه هيروديا، فعارض يحيى عليه السلام هذا الزواج المحرَّم في شريعة أهل الكتاب، فحقدت أمّ الفتاة عليه وبيّتت له مكيدة قتل: زيّنت ابنتها فرقصت أمام هيرودس حتى ملكت مشاعره فطلب منها أن تتمنى عليه، فطلبت رأس يحيى في طبق كما علّمتها أمها، فاستجاب لها وأمر بقتله وهو في الصلاة، وذُبح كما تذبح الشاة وقُدّم رأسه في طبق يقطر دماً. وكانت هذه أول سنّة سيئة سنّها بنو إسرائيل في قتل الأنبياء، ولما بلغ الخبر عيسى ابن مريم عليه السلام حزن عليه حزناً شديداً وجهر بدعوت
«إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (حديث رواه ابن ماجه)»
كان عمران عالماً جليلاً من علماء بني إسرائيل، وكانت امرأته عاقراً لا تلد، فنذرت إن حملت أن تجعل ما في بطنها محرَّراً خالصاً لخدمة بيت المقدس، فاستجاب الله دعاءها فحملت، فلما وضعت تبيّنت أن المولود أنثى (مريم) فتوجهت بالدعاء إلى الله، فتقبّلها الله بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وحفظها وولدها من شرّ الشيطان الرجيم. توفي عمران ومريم صغيرة، فسلّمتها أمها إلى بيت المقدس، فتنازع القائمون عليه في كفالتها واختلفوا فيمن يقوم بها، فاقترعوا فخرجت القرعة لزكريا عليه السلام نبي ذلك العصر فكفلها.
«فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ (آل عمران: 36)»
لما بلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء جاءها الملَك جبريل ممثَّلاً لها في صورة إنسان سويّ، ففزعت منه وخافت على نفسها واستعاذت بالله منه إن كان تقياً، فأخبرها أنه رسول ربها ليهب لها غلاماً زكياً، فتعجبت كيف يكون لها ولد ولم يمسسها بشر ولم تك بغياً، فأخبرها أن الله إذا أراد أمراً قال له كن فيكون. ثم نفخ جبريل عليه السلام في جيب قميصها نفخة فحملت بعيسى ابن مريم عليه السلام بإذن الله.
«قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا (مريم: 18-19)»
لما أتمّت مريم عليها السلام أيام حملها وهي في بيت لحم اشتدّ بها المخاض، فألجأها إلى جذع نخلة يابسة، فاحتضنته من شدة الوجع وقالت متمنيّة الموت خشية اتهام قومها لها إذ خافت من الآلام ومن إنكار قومها ولادتها بلا زوج، فولدت عيسى عليه السلام، وهزّت جذع النخلة بأمر ربها وكانت لا ثمر فيها، فتساقط عليها الرطب الجني الناضج فأكلت منه، وشربت من نهر أجراه الله لها في مكان لا نهر فيه، إكراماً لها على إيمانها وصلاحها وطاعتها. وكانت ولادة عيسى يوم الثلاثاء 24 كانون الأول، أي قبل مولد الرسول الأعظم ﷺ بحوالي 570
«يَٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (مريم: 23)»
لما حملت مريم عليها السلام وليدها الصغير وأتت به قومها فزعوا لهذا الحدث العظيم، وظنوا بها الظنون واتهموها بالفاحشة، فأشارت إلى وليدها الرضيع ليتكلم معهم ويجيبهم عن أسئلتهم التي وجّهوها إليها، فليس أدلّ على طهارتها وبراءتها من أن يتكلم هذا الطفل وهو لم يزل في المهد، فأنطق الله عيسى فتكلم معلناً عبوديته لله ونبوته، وأنه أُوصي بالصلاة والزكاة وبرّ الوالدين ما دام حياً.
«قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (مريم: 30-32)»
بلغ هيرودس حاكم البلاد الظالم عن طريق بعض الكهنة أن مولوداً وُلد سيكون له سلطان على جميع اليهود، فأمر بقتل كل طفل وُلد في بيت لحم، فأُمر يوسف النجار في منامه أن يذهب بالطفل عيسى وأمه مريم إلى مصر خشية بطش ذلك الحاكم الجائر ففعل، فأقاموا بمصر حتى هلك هيرودس فرجعوا إلى بلادهم واستقروا في الناصرة، وكان عمر عيسى حينئذ سبع سنين. ولما بلغ اثنتي عشرة سنة توجّه مع أمه ويوسف النجار إلى أورشليم ليسجد هناك حسب شريعة التوراة، ولما تمّت صلواته تفقّداه فلم يجداه، ولم يجتمعا به إلا في اليوم الثالث حين وجداه في
سكت التاريخ عما وراء فترة نشأة عيسى عليه السلام حتى بداية نبوته ورسالته. فلما بلغ عيسى عليه السلام العمر ثلاثين عاماً جاء إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام فعمّده في نهر الأردن، ثم نزل عليه روح القدس جبريل عليه السلام بكتاب الله المسمّى الإنجيل، ومنذ ذلك الحين بدأت رسالة عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل.
قام عيسى عليه السلام يدعو الناس إلى دين الحق الذي أوحاه الله إليه، في مجتمع يهودي دخلته انحرافات كثيرة وخرافات وأباطيل بسبب تمرّدهم وطغيانهم على الشريعة الربّانية التي أنزلها الله على موسى، فبعث الله إليهم عيسى ليردّهم إلى الجادّة ويصحح ما دخل شريعتهم من تحريف وتبديل، وأحلّ لهم بعض ما كان محرّماً عليهم في شريعة موسى عقوبة لهم بسبب بغيهم وعدوانهم. وتضمّنت دعوته توحيد الله وحده دون أن يتوسّط بين العبد وربه أحد من الأحبار أو الرهبان، والإيمان بالبعث واليوم الآخر، والدعوة إلى الأخلاق الفاضلة والفضائ
«إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ (آل عمران: 51)»
لما ضاق اليهود بعيسى عليه السلام ذرعاً قرروا التخلّص منه، فسعوا إلى الحاكم الروماني بيلاطس الذي كان يحكم اليهود باسم الملك قيصر، وزيّنوا له دعواهم بأن عيسى يريد أن يكون ملكاً على اليهود وأنه يسعى لتقويض الحكم القائم، وأوغروا صدره حتى قرّر أن يتخلّص من عيسى بالقتل والصلب. وعلم عيسى عليه السلام بمكر القوم فاختفى عن أعين الرقباء في أورشليم، وكان ضمن تلامذته الحواريين رجل خائن يُدعى يهوذا الإسخريوطي أشار إليه المسيح بقوله لأصحابه: إنّ بعضكم ممن يأكل ويشرب معي سيسلّمني، فلما رأى هذا الرجل اليهود يطلب
«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ... بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ (النساء: 157-158)»
قيل إن الله أنزل المسيح عليه السلام بعد رفعه إليه بنحو ثلاثة أيام، وبيّن للحواريين أنه رُفع إلى السماء ولم يُقتل ولم يُصلب، وأمرهم بنشر رسالته التي تلقّوها عنه، فاستجابوا لأمره وذهب كلّ منهم إلى جهة يدعو إلى الله سرّاً، وظلّوا كذلك حتى انتشرت الديانة المسيحية عن طريق الدعوة السرية، حتى هيّأ الله لأتباعها أن يعلنوا دينهم بعد نحو ثلاثة قرون من رفع عيسى عليه السلام.
لم تنتهِ مهمة عيسى عليه السلام برفعه، فسينزل إلى الأرض ليتمّم رسالته ويحكم بشريعة القرآن، ولن يقبل الله من أحد بعد بعثة محمد ﷺ ديناً إلا الإسلام، كما جاء في الحديث الشريف عن نزوله حكماً مقسطاً في آخر الزمان.
«لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»
تنازع أهل الكتاب في شأن المسيح إفراطاً وتفريطاً: فاليهود ادّعوا أنه ابن زنى لأن الولد لابد له من أب، والنصارى ادّعوا أنه ابن الله لأنه خُلق من روح الله، وكلا الفريقين على خطأ وضلال، والحقيقة أنه رسول كريم من الرسل الكرام بعثه الله إلى بني إسرائيل بالهدى والبينات، وأمه هي العفيفة الصديقة الطاهرة البتول التي أحصنت فرجها.
«مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ (المائدة: 75)»
عجب اليهود والنصارى من أمر عيسى عليه السلام لأنه وُلد بلا أب، فأمر آدم عليه السلام أعجب لأنه وُلد بلا أب ولا أم، والله عز وجل القادر على كل شيء لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، فضرب القرآن الكريم مثل آدم لعيسى ليبيّن أن خلقه ليس دليلاً على ألوهيته.
«إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (آل عمران: 59)»
محمد رسول الله ﷺ خاتم رسل الله جميعاً، ختم الله به النبوة والرسالة كما ختم بالقرآن الكريم الكتب السماوية، وهو سيد ولد آدم وأفضلهم في الدنيا والآخرة. ونسبه الشريف: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم... إلى عدنان الذي ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وأمه آمنة بنت وهب.
«إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً»
أكرم الله إبراهيم عليه السلام بأن جعل النبوة والرسالة في ذريته من بعده، فمعظم الأنبياء المذكورين في القرآن الكريم (نحو 18 رسولاً) هم من ولديه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام؛ فمن نسل العيص بن إسحاق كان أيوب وابنه ذو الكفل، ومن نسل يعقوب بن إسحاق كانت الأسباط الاثنا عشر وأحدهم يوسف، ومن سلالة إسماعيل خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ.
«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (الحديد: 26)»
ظهرت النبوة في ذرية يعقوب عليه السلام في ثلاثة من أسباطه: سبط لاوي وظهرت النبوة في كلٍّ من موسى وهارون وإلياس واليسع عليهم السلام، وسبط يهوذا وظهرت النبوة في كلٍّ من داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وسبط بنيامين وظهرت النبوة فيهم في يونس عليه السلام.
وفاة 3# الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام